كان يجهز لزفاف ابنه

موقع أيام نيوز

في صباح يومٍ بدا للناس عاديًا لكنه لم يكن كذلك، اجتمع أهل الحي على حدثين متناقضين لا يكاد العقل يتصور وقوعهما معًا. بيت من بيوت الحي امتلأ بالأنوار والزينة، تعلوه أصوات الأغاني والزغاريد، يستعد فيه والد العريس لاستقبال الأحبة ومشاركة الفرح، بينما في البيت الملاصق ساد صمت ثقيل لا يقطعه إلا أنين مكتوم وبكاء متقطع. هناك رحل رب البيت فجأة بعد وعكة قصيرة لم تمنح أهله فرصة الاستعداد ولا حتى فرصة الوداع الأخير. وبينما انشغل الجيران بإعداد الوليمة واستقبال الضيوف، انشغل أهل هذا البيت الآخر بتغسيل فقيدهم وتكفينه وتجهيزه لرحلة أبدية لا عودة منها. المشهد بدا كأنه لوحة ترسم الفرح في نصفها الأول والحزن في نصفها الآخر، لوحة تُذكر الناس بأن الدنيا لا تُعطي صفحتها كاملة لأحد، وأن السعادة قد تجاور الحزن في لحظة واحدة.

في البداية لم يدرك والد العريس حقيقة ما جرى خلف باب جاره، فقد لاحظ غيابهم عن حضور الوليمة، ورأى ابنه الصغير يرد عليه ببرود حين استفسر، فامتلأ صدره بالضيق وظن أن الأمر تجاهل مقصود، وربما نوع من الحسد أو عدم التقدير. وبدلًا من أن يتريث أو يسأل بتفصيل، ترك لنفسه العنان حتى ڠضب داخليًا وأغلق قلبه عن أي عذر محتمل. كان منشغلًا بالضيوف والتهاني والمظاهر، فلم يفكر في أن الغياب قد يكون وراءه ما هو أعظم من مجرد تقصير. وعندما مالت الشمس إلى الغروب لمح حركة غير مألوفة عند باب الجار، لكنه تجاهلها متعمدًا ليحفظ بهجة يومه. وما هي إلا ساعات قليلة حتى رأى بأم عينه الموكب يخرج من بيتهم. رجال يرفعون نعشًا على الأكتاف، ونساء يتشاحن بالبكاء المرير، وأصوات الحزن تتعالى لتشق سكون المساء. كانت لحظة فارقة لا يمكن نسيانها. عندها فقط أدرك والد العريس حجم الخطأ الذي وقع فيه، وأحس بثقل كبير يطبق على صدره، ثقل الندم الذي لا دواء له.

شعر وكأن الفرح كله قد انطفأ، فما جدوى الزغاريد حين تُجاورها أصوات النواح، وما قيمة الوليمة حين يتقاسم الحيّ الطعام والدموع معًا. أدرك أنه أساء الظن بجاره المكلوم، وأنه كان قاسې القلب حين لم يتروّ ولم يسأل، بل ترك انشغاله بالمظاهر يغطي بصيرته. ولعل أقسى ما شعر به أنه ردّ على ابن الجار الصغير بكلمات حادة لم يكن يستحقها، فقد كان الطفل في ذلك الوقت يعيش صدمة فقد أبيه، بينما هو لم ير فيه إلا ولدًا جاحدًا يتجاهل دعوة الفرح. كم كان الموقف مؤلمًا، وكم كان الدرس قاسيًا.

الحي كله وقف في ذهول مما وقع. لم يسبق لهم أن اجتمعوا على نقيضين في يوم واحد، زفاف يُزغرد فيه وتُطلق فيه التهاني، وجنازة يلفها البكاء والسكون. المشهد بدا كأنه رسالة إلهية واضحة تقول إن الدنيا لا تثبت على حال، وإن قلب الإنسان قد يتقلب بين السرور والانكسار في لحظة واحدة. بعض النسوة اللواتي حضرن العرس عدن مسرعات ليشاركن في العزاء، وبعض الرجال الذين زفوا العريس بالأهازيج وجدوا أنفسهم بعد ساعة يسيرون خلف النعش بخشوع وصمت.

تم نسخ الرابط