كانوا يســخرون من فتاة غسّالة الصحون

موقع أيام نيوز

لم تكن الطريق بل كانت وجه الصبيين وهم يأكلون وكأنهما يلتهمان الحياة نفسها. تنفس بعمق لأول مرة منذ دخوله تلك الشقة وشعر پألم غريب ألم يشبه الندم أو ربما الخجل.
كان يظن نفسه رجلا عادلا يحاسب الموظفين بالميزان نفسه يعاقب دون تردد. لكنه الآن بعد أن رأى الحقيقة بكل هشاشتها اكتشف أنه لم يكن يرى البشر أصلا كان يرى فقط الأدوار التي يلعبونها داخل مطعمه.
همس لنفسه كمن يعترف سرا
لم أكن أعرف لم أكن أعرف شيئا.
أدار المحرك أخيرا وقاد السيارة عبر شوارع شيكاغو المكتظة. كانت الأضواء تنعكس على الزجاج والضباب يزحف بكسل لكن عقله لم يكن في المدينة بل في تلك الشقة الصغيرة وفي تلك الأم التي تخوض حربا صامتة كل ليلة.
وصل إلى منزله قرب منتصف الليل. البيت واسع أنيق بلا أطفال يركضون في الممرات ولا ضحكات تعلو الجدران. تساءل للمرة الأولى منذ سنوات إن كان هذا هو النجاح الذي كان يسعى إليه نجاح بلا بشړ بلا روابط بلا دفء.
جلس على الأريكة الطويلة ومرر يده على جبينه.
لأول مرة أحس بثقل المسؤولية لا كرجل أعمال بل كإنسان يرى الفقر يختبئ خلف ابتسامات موظفيه. وتساءل
كم من أوليفيا أخرى تعمل لديه ولا يعرف قصتها
كم من طفل ينام جائعا بينما يرمون في المطعم طعاما يكفي عشرات
لم يغمض له جفن إلا قليلا ولما استيقظ كان قد اتخذ قراره.
الفكرة التي كانت مجرد ومضة أمس أصبحت الآن خطة كاملة.
في الصباح التالي حضر إلى المطعم أبكر من المعتاد. دخل من الباب الخلفي سار بين الطهاة الذين يستعدون ليوم جديد ولم يلتفت إلى تحياتهم. كان متوترا على نحو غريب لم يعرف أصلا أن لقاءه القادم سيصنع منعطفا لم يتوقعه.
دخل إلى مكتبه
جلس على كرسيه ثم ظل يحدق في باب الغرفة وكأنه ينتظر أحدا. وبعد دقائق طرقت أوليفيا الباب بخجل شديد بناء على طلبه.
كانت واقفة هناك مرتدية زي العمل البسيط يداها متشابكتان أمامها كمن يقف أمام حكم لم يصدر بعد.
قالت بصوت خاڤت
حضرتك طلبت تقابلني
أشار لها بالجلوس.
لم يعرف من أين يبدأ لكنه قال أخيرا
أوليفيا أنا شفت كل حاجة امبارح. ولاديك وشفت ليه كنت بتاخدي الأكل.
لم تنظر إليه مباشرة. كانت تتوقع اللوم الټهديد وربما الطرد.
قالت بحذر
لو حضرتك عايز تفصلني أنا فاهمة.
هز رأسه سريعا كمن يطرد كلمة لا يريد سماعها
لا مش ده اللي ناوي عليه. بالعكس أنا جاي اعتذر.
رفعت عينيها ببطء متفاجئة.
تابع بصوت منخفض مختلف تماما عن صوته الحاد المعتاد
أنا غلطت. حكمت عليك قبل ما أعرفك. وشوفت الحقيقة الحقيقة اللي عمري ما افتكرت إن موظف عندي ممكن يعيشها.
سكت لحظة ثم أضاف
بس اللي عرفته مبارح خلاني أفكر. ما ينفعش مطعم كبير زي ده يرمي كل الكمية دي من الأكل وفي ناس زي ولادك يستحقوا وجبة محترمة كل يوم.
كانت تنظر إليه الآن بانتباه حذر تترقب ما سيقوله.
تنفس بعمق وألقى بالكلمات التي باتت نواة الفكرة الكبيرة التي تشغل روحه
أنا ناوي أعمل برنامج ثابت داخل المطعم توزيع يومي للأكل الصالح اللي بيتبقى. مش للزبائن للناس المحتاجة. وهيبقى باسمنا إحنا الاتنين.
شهقت من المفاجأة.
قالت بصوت مرتعش
باسمنا
ابتسم ابتسامة صغيرة لكنها صادقة
أيوه. الفكرة فكرتك من الأساس. لو ما كنتيش بتخاطري عشان ولادك ما كنتش هفكر بالشكل ده.
لم تعرف ماذا تقول. لم يسبق أن اعتذر لها مدير فضلا عن أن يمنحها شرف المشاركة في مشروع خيري.
لكن قبل أن تستوعب ذلك كله أضاف بصوت متردد كمن يخشى ردها
وفي حاجة كمان لو وافقتي عايز أنقلك من غسيل
تم نسخ الرابط