كان يفصلني يومٌ واحد فقط عن الزواج بزوجتي الجديدة
روحها.
أردت أن أؤمن بأنها حيثما كانت كانت سترغب أيضا في أن تراني سعيدا.
في ظهيرة رمادية أثقلتها غيوم نوفمبر بدأ المطر ينثر قطرات خفيفة كأن السماء تبكي بصمت خاڤت. كان المكان موحشا إلى حد جعل أنفاسي تتكاثف بردا وخوفا. المقپرة بدت خالية إلا من تمتمات الريح التي تعبر بين أشجار الكافور فتصافح الأغصان بصوت يشبه حشرجة ذكرى قديمة.
كنت أمسك بيدي حقيبة صغيرة أحضرتها بحرص بداخلها قطعة قماش ناعمة وزجاجة ماء وباقة من الزهور البيضاء وعلبة بخور تفوح منها روائح منسية. تقدمت نحو القپر ببطء وكأنني أخشى أن أوقظ الأرواح النائمة تحت التراب.
انحنيت بهدوء وضعت زهرة أقحوان ناصعة فوق الرخام البارد ثم أغمضت عيني لحظة وأطلقت تنهيدة ثقيلة حملت في طياتها سنوات من الفقد. همست بصوت بالكاد يسمع
يا حبيبتي غدا أبدأ فصلا جديدا من حياتي. غدا سأتزوج من أخرى. أعلم أنك لو كنت ما تزالين إلى جواري كنت ستبتسمين وتباركين لي الطريق. لقد انتظرت طويلا وحياتي توقفت عند غيابك ولكن لا يمكنني أن أظل عالقا بين الماضي والرماد. سامحيني فلست أنساك ولن يحدث يوما.
تسللت دمعة ساخنة إلى وجنتي دون استئذان وسقطت على الرخام كأنها جزء مني يرفض الوداع. مددت يدي وأخذت أزيل الغبار عن شاهدة القپر أتحسس اسمها المكتوب كأن لمس الأحرف يعيد نبضها للحظة واحدة.
وفي تلك اللحظة بالضبط
سكون ثقيل اخترقته خطوات خفيفة خلفي.
خطوات مترددة لكنها قريبة للغاية
حتى شعرت بظل يمتد فوقي.
رفعت رأسي ببطء وصوت الريح يخفت فجأة
كأن العالم كله حبس أنفاسه وهو ينتظر ما سيحدث.