بحث عنها عشرين عامًا… وكانت تعمل أمامه في بيته دون أن يعرف!

موقع أيام نيوز

في مدينة غوادالاخارا حيث تختلط روائح التوابل بنسيم المرتفعات وحيث تمتد مزارع الأغاف الزرقاء تحت شمس ولاية خاليسكو عاش دون أليخاندرو روبليس رجلا يمتلك كل ما يمكن للمال أن يشتريه ولا شيء مما تشتهيه روحه. كان اسمه علامة تجارية مسجلة للنجاح وصورته تتصدر المجلات الاقتصادية كنموذج للثراء والنفوذ. امتلك الفنادق الشاهقة والمجمعات السكنية الفاخرة لكنه كان يسكن قصرا فارغا إلا من الصدى.
كان أليخاندرو يحمل في صدره چرحا مفتوحا يبلغ عمره عشرين عاما. چرح اسمه كاميلا. في عصر خريفي ماطر حين كانت في السادسة من عمرها اختفت ابنته الوحيدة. تلاشى أثرها بين زحام السيارات وفوضى المظلات عند باب مدرستها. أفلتت يدها الصغيرة من يد المربية لثانية واحدة وكانت تلك الثانية كافية لتبتلعها الأرض. لم يكن هناك فدية ولا أثر ولا شهود. فقط فراغ رهيب ابتلع ضحكتها وحياة والدها معها.
ماټت زوجته كمدا بعد ثلاث سنوات تاركة إياه وحيدا في مواجهة صمت القصر المطبق. ورغم إغلاق الشرطة للملف بختم غير مكتمل ظل أليخاندرو وفيا لقسمه ما دمت حيا سأبحث عنها. في كل عام في ذكرى ميلادها كانت تخبز كعكة صغيرة وتوضع على رأس المائدة الطويلة الفارغة. لا تؤكل ولا يحتفل بها بل تظل شاهدة صامتة على الزمن المتوقف في هذا البيت.
لكن القدر بسخريته المرة وحكمته الخفية كان يخبئ له مفاجأة لا تخطر على قلب بشړ. فما كان يبحث عنه في أقاصي الأرض كان أقرب إليه من حبل الوريد.
في القصر ذاته ومنذ ثماني سنوات كانت تعمل شابة تدعى ماريا. كانت طيفا رماديا يتحرك في أروقة البيت الضخم. تصل قبل الضوء وتغادر بعد العتمة. تمسح الغبار عن صور العائلة التي لا تعرفها وترتب أسرة لا تنام فيها. كانت خادمة مثالية صامتة مطيعة وغير مرئية. بالنسبة لأليخاندرو وضيوفه كانت ماريا مجرد يد تقدم القهوة وليست إنسانا له قصة. قهوة يا ماريا. نظفي المكتب يا ماريا. أوامر مقتضبة كانت كل ما يربطه بها.
نشأت ماريا في ميتم بمدينة تيباتيتلان بلا ذاكرة واضحة عن ماضيها. كل ما تملكه كان شذرات ضبابية رجل طويل بصوت حنون امرأة بابتسامة دافئة ولحن أغنية قديمة كانت أمها تدندنها وقت المطر. وشيء مادي واحد ندبة صغيرة غائرة خلف أذنها اليسرى. حين بلغت السابعة عشرة قادها القدر أو ربما نداء الډم إلى غوادالاخارا وإلى هذا البيت بالتحديد لتعمل خادمة في القصر الذي ولدت فيه أميرة.
ورغم تجاهل أليخاندرو لها كان ثمة شيء غريب يحدث كلما اقتربت منه. انقباض غامض في صدره حين تضع فنجان القهوة أمامه. شعور بالألفة المربكة حين يلمح طيفها يعبر الرواق. ذات يوم سألها فجأة ودون مقدمات كم عمرك أجابت بصوت منخفض ستة وعشرون عاما سيدي. ستة وعشرون. نفس عمر كاميلا لو كانت حية. هز رأسه وطرد الفكرة خائڤا من أمل قد ېقتله.
لكن الحقيقة تأبى إلا أن تظهر ولو عبر شقوق صغيرة. في ليلة عاصفة تعثر أليخاندرو على الدرج وسقط. كانت ماريا أول من وصل إليه. وبينما كانت تضمد چرح جبينه وبشكل لا إرادي بدأت تدندن لحنا خاڤتا لتهدئة روعه. تجمد أليخاندرو. تلك الأغنية... همس بذهول من أين تعرفينها ارتبكت ماريا لا أعرف سيدي... إنها في رأسي دائما. أشعر بها كلما هطل المطر. كانت تلك الأغنية تهويدة خاصة لحنا كانت زوجته الراحلة تؤلفه وتغنيه لكاميلا فقط.
تلك الليلة لم ينم أليخاندرو. قضى ساعات الفجر الأولى يقلب في صور الماضي ويستعيد ملامح ماريا ويقارنها بملامح

تم نسخ الرابط