(فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ).. ما معنى (أمه) في هذه الآية! وما علاقتها بأهل الڼار؟
في ختام سورة القارعة، يقرع أسماعنا وصف مرعب لمصير من خفت موازينه يوم القيامة، يقول الله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ}.
للوهلة الأولى، قد يستوقفك هذا التعبير القرآني العجيب. كلمة (الأُم) في لغتنا وفطرتنا هي رمز الأمان، والحضن الدافئ، والملجأ الذي نفر إليه عند الخۏف. فكيف تجتمع "الأمومة" مع (الهاوية)، وهي اسم من أسماء جهنم؟
لقد وقف السلف الصالح والمفسرون طويلاً أمام هذه الصورة البلاغية المذهلة، وخرجوا لنا بتفسيرين، كلاهما أشد رعباً من الآخر، استناداً إلى دقة اللغة العربية:
١. التفسير الأول: السقوط المقلوب (مشهد جسدي) يذهب حبر الأمة ابن عباس، وعكرمة، وقتادة -رضي الله عنهم- إلى معنى لغوي دقيق لكلمة "الأم". فالعرب تطلق لفظ "الأُم" على مقدمة الشيء أو أعلاه، فيقولون "أم الرأس" أي الدماغ أو الهامة.
وبناءً على هذا، يكون المعنى: (فَأُمُّهُ) أي أم رأسه ودماغه، (هَاوِيَةٌ) أي ساقطة تهوي إلى أسفل. إنها صورة مرعبة لمن يلقى في الڼار؛ فهو لا يسقط على قدميه، بل يُنكّس على رأسه، فيهوي في دركات الچحيم بأم رأسه أولاً. إنه تعبير عن منتهى الإذلال وقلب الموازين.
٢. التفسير الثاني: الحضن القاټل (مشهد نفسي) وهو المعنى الذي رجحه الإمام ابن جرير الطبري وغيره، وهو يلامس القلب بړعب شديد. الأم في اللغة هي "المَأوى" و"المَرجع" الذي يأوي إليه الإنسان ويرتمي في أحضانه. الطفل إذا فزع بحث عن أمه لتضمه.
يقول المفسرون: يوم القيامة، حين تتقطع بالكافر كل السبل، ولا يجد مكاناً يهرب إليه، لن يجد مأوى يفتَح له ذراعيه ويضمه إلا الڼار! لقد صارت جهنم هي "أُمه" التي تأويه، وهي التي تحتضنه، ولكن شتان بين حضڼ الأم في الدنيا الذي يمنح الحياة، وبين حضڼ الهاوية الذي يضم صاحبه ضم العڈاب والهلاك.
يقول ابن جرير: "وإنما قيل للهاوية أمه؛ لأنه لا مأوى له غيرها".
الخلاصة: سواء كان المعنى هو السقوط على الرأس، أو كان المعنى أن الڼار هي المأوى والحضن، فإن الآية تقدم وصفاً بلاغياً معجزاً لحالة اليأس التام والإحاطة بالعڈاب من كل جانب.
اللهم ثقّل موازيننا، وأجرنا من الهاوية.