لم تُنجبهم… لكنها صنعت منهم طيّارين أنقذوا مئات الأرواح

موقع أيام نيوز

في أقاصي إحدى المقاطعات الفلبينية النائية حيث تفرض الطبيعة سطوتها بأمطار موسمية لا ترحم وحيث تختلط رائحة الطين برائحة الفقر كانت ماريا سانتوس تعيش أيامها المتشابهة. امرأة تجاوزت الثلاثين بقليل لكن تقاسيم وجهها كانت تحمل وقارا وهدوءا يسبق عمرها بسنوات. لم تكن حياتها سوى سلسلة من الروتين الرتيب الاستيقاظ قبل الفجر السير في الطرق الموحلة نحو المدرسة الحكومية المتهالكة والوقوف لساعات أمام سبورة طباشيرية تآكلت أطرافها تحاول زرع بذور المعرفة في عقول أطفال سرق الفقر طفولتهم.
كانت تعيش في سكن مخصص للمعلمات عبارة عن غرفة خشبية قديمة تتسرب منها الرطوبة تقع في الطرف القصي من فناء المدرسة. كان راتبها الحكومي شحيحا بالكاد يكفي لشراء الأرز والقليل من السمك المجفف ولم يكن في حياتها متسع للرفاهية ولا رفيق يؤنس وحشتها. كانت الليالي هي الأقسى حيث يلف الصمت المكان إلا من صوت صراصير الليل وقطرات المطر التي تنقر سقف الصفيح بإيقاع يبعث على الشجن. ومع ذلك كان قلب ماريا ينبض بدفء غريب وكأنها كانت تدخر مخزونا هائلا من الحب لزمن لم يأت بعد.
في ظهيرة يوم رمادي كئيب وبينما كانت السماء تصب جام ڠضبها مطرا غزيرا أحال الطرقات إلى أنهار صغيرة كانت ماريا عائدة من السوق. وعند اقترابها من درجات المركز الصحي الريفي المهجور لفت انتباهها شيء غريب. كومة صغيرة تحت قطعة قماش مبللة تتحرك بوهن. اقتربت بحذر وقلبها يدق پعنف لتسمع أنينا خاڤتا كاد صوت المطر يبتلعه. رفعت القماش لتشهق فزعة. كانا طفلين توأمين رضيعين حديثي الولادة متكورين على بعضهما البعض بحثا عن دفء مستحيل وقد ازرقت شفاههما من البرد.
بجانبهما كانت هناك ورقة انتزعت من دفتر مدرسي مبتلة عند الحواف كتب عليها بخط مرتجف أرجوكم دعوا أحدا يتكفل بتربيتهما. لم تعد لدي القدرة ولا الحليب ولا الأمل.
لم تفكر ماريا للحظة. لم تفكر في راتبها الهزيل ولا في غرفتها الضيقة ولا في ألسنة الناس التي قد تلوك سيرتها. تحركت فيها غريزة أقدم من الزمن. ألقت بمظلتها جانبا وحملت الطفلين وضمتهما إلى صدرها بقوة محاولة نقل كل حرارة جسدها إلى جسديهما المرتجفين. في تلك اللحظة تحت المطر المنهمر ولدت ماريا من جديد. لم تعد المعلمة الوحيدة أصبحت أما.
أطلقت عليهما اسمي ميغيل ودانيال. ومنذ الليلة الأولى انقلبت حياتها رأسا على عقب. تحولت الغرفة الساكنة إلى خلية تعج بالحياة والبكاء والضحك ورائحة بودرة الأطفال الرخيصة.
كان التحدي الاقتصادي هائلا. راتب المعلمة لم يكن ليكفي حليب طفل واحد فكيف باثنين لكن ماريا كانت تملك عزيمة من حديد. في الصباح كانت تقف أمام تلاميذها بابتسامة لا تفارق محياها وفي فترة الظهيرة تعود مسرعة لتطهو قدرا كبيرا من لوغاو عصيدة الأرز الفلبينية وهي وجبة الفقراء المشبعة تضيف إليها الزنجبيل والقليل من

تم نسخ الرابط