لم تُنجبهم… لكنها صنعت منهم طيّارين أنقذوا مئات الأرواح
الذعر سيد الموقف. ثلاثمائة راكب ېصرخون وأقنعة الأكسجين تتدلى.
في تلك اللحظة وسط الفوضى تذكر ميغيل هدوء أمه. تذكر كيف كانت تتصرف حين لا تجد طعاما للعشاء لا تجزع بل تبتكر حلا.
قال لأخيه بصوت حازم دانيال تذكر الفيزياء. تذكر ما علمته لنا ماريا عن التوازن. لا تحارب الطائرة دعها تنزلق. سنستخدم تيارات الهواء بدلا من المحركات.
وفي المقصورة قامت ماريا من مقعدها. لم تصرخ. تحركت بين الركاب المذعورين كالملاك الحارس. أمسكت بيد مضيفة مړعوپة وقالت لها ابناي في القمرة. لقد واجها عواصف الحياة وهما حفاة لن يهزمهما هذا المعدن. ثقوا بالله ثم ثقوا بهما.
كان لهدوئها مفعول السحر. سرت طمأنينة غريبة بين الركاب.
في القمرة قام الشقيقان بمناورة مستحيلة نظريا محولين الطائرة إلى طائرة شراعية عملاقة مستغلين كل ذرة من قوانين الديناميكا الهوائية التي عشقها دانيال. تمكنا من الهبوط اضطراريا على مدرج جزيرة نائية وسط المحيط.
عندما توقفت الطائرة وفتح الباب لم يركض الركاب للخارج. وقفوا يصفقون للمرأة العجوز قبل الطيارين. خرج ميغيل ودانيال منهكين وارتميا في حضڼ أمهما.
همست وهي تمسح العرق والزيت عن وجهيهما كنت أعلم. الحب لا يسقط.
عاشت ماريا سنواتها الأخيرة ملكة متوجة في قلوب ابنيها والآلاف الذين سمعوا قصتها. أسس الأخوان مؤسسة أجنحة سانتوس لتقديم منح دراسية لأبناء الفقراء. لم يكونوا يزورون مدرستهم القديمة بالسيارات الفارهة بل كانوا يأتون بتواضع يوزعون الكتب والطعام ويحكون للأطفال قصة بائعة اليانصيب التي صنعت طيارين.
وعندما حانت ساعتها رحلت ماريا في هدوء تام وهي نائمة في سريرها الوثير وعلى شفتيها ابتسامة رضا.
كانت جنازتها حدثا وطنيا. حضرها المئات ممن لمست حياتهم. وفي لحظة الډفن شق سماء المقپرة صوت هدير محركات. أربعة طائرات نفاثة نفذت تشكيل الرجل المفقود حيث ترتفع طائرة واحدة عموديا نحو السماء وتغيب رمزا للروح الصاعدة.
رفع ميغيل ودانيال اللذان غزا الشيب صدغيهما الآن أيديهما بالتحية العسكرية لأمهما والدموع تنهمر بصمت.
بعد عقد من رحيلها وقف التوأمان على مسرح أكاديمية الطيران لتخريج دفعة جديدة. كانا ينظران إلى الخريجين وعيونهما تبحث عن شيء محدد.
نادى ميغيل على فتاة شابة تدعى إلينا. كانت فتاة نحيلة جاءت من أفقر أحياء الصفيح في مانيلا عملت في جمع القمامة لتعيل إخوتها لكنها درست بجد حتى نالت المنحة.
صعدت إلينا إلى المسرح وهي ترتجف في زيها الرسمي الجديد. لم يعطها ميغيل شهادة التخرج فقط. أخرج من جيبه كتاب رياضيات قديما ومهترئا مكتوبا عليه بخط اليد م. سانتوس.
قال ميغيل والجمهور يستمع بإنصات هذا الكتاب كان لأمي. علمتنا أن الفقر ليس عذرا للتخلي عن الحلم بل هو الوقود الذي يجعله يشتعل بقوة أكبر. خذي هذا يا إلينا.. وتذكري الطائرة لا ترتفع بالوقود فقط بل بقلب من يقودها.
ضمت إلينا الكتاب إلى صدرها وبكت ونظرت إلى القاعة حيث تجلس جدتها
العجوز بملابسها البسيطة تلوح لها بيدين متعبتين. كانت الدائرة تكتمل. قصة ماريا لم تنته بمۏتها بل كانت تتناسخ في كل روح مكافحة.
في المساء ذهب الأخوان إلى الشاطئ القديم قرب المدرسة التي بدأ فيها كل شيء. كانت الشمس تغرب تلون السماء بظلال من البنفسج والذهب. وقفا يراقبان طائرة صغيرة تشق طريقها بين الغيوم وميضها يشبه نجمة ترفض الانطفاء.
قال دانيال وهو يتنفس نسيم البحر المالح هل تظنها ترانا الآن
أخرج ميغيل الورقة القديمة التي وجدا معهما يوم تخلى عنهما العالم والتي احتفظت بها ماريا طوال حياتها في صندوق مجوهراتها الفارغ إلا من الحب.
قرأ الكلمات الباهتة أرجوكم دعوا أحدا يتكفل بتربيتهما...
ثم طواها بعناية وأعادها إلى جيبه ونظر إلى السماء وقال هي لا ترانا فقط يا دانيال.. هي الريح التي تحت أجنحتنا. هي ذلك الصوت الذي يهمس لنا حين نخشى السقوط استمروا. ماريا سانتوس لم تكن مجرد أم بالتبني.. كانت هي المطار وهي الملاذ وهي البوصلة.
ومع تلاطم الأمواج بهدوء بدا وكأن الطبيعة نفسها تؤمن على كلامه. في هذا العالم الواسع بعض الأمهات ينجبن أطفالا لكن العظيمات منهن مثل ماريا ينجبن أجنحة ويحولن قصص الألم إلى أساطير تحلق في السماء إلى الأبد.