لم تُنجبهم… لكنها صنعت منهم طيّارين أنقذوا مئات الأرواح

موقع أيام نيوز

الثوم لتمنحها طعما يخدع المعدة.
وفي فترات العصر وحتى وقت متأخر من المساء كانت تخرج مع الصبيين بعد أن كبرا قليلا إلى التقاطعات المزدحمة ومحطات الحافلات. لم تكن تتسول بل كانت تعمل. كانت تبيع تذاكر اليانصيب وتذاكر الرهان الشعبي. يا للسخرية! امرأة تبيع الحظ للآخرين بينما لم يكن حظها سوى الكفاح المستمر. كان ميغيل ودانيال يجلسان بجوارها على صندوق خشبي يراقبان حركة الناس والسيارات ويتعلمان الدرس الأول في الحياة الكرامة لا تشترى بالمال بل بالعمل.
مع مرور السنوات ظهرت الفوارق والمواهب. كان ميغيل يمتلك عقلا حادا كالسيف في الرياضيات الأرقام بالنسبة له لم تكن رموزا جامدة بل لغة يفهم بها الكون. أما دانيال فكان حالما عاشقا للفيزياء مفتونا بكل ما يتحرك ويطير.
في الليالي التي ينقطع فيها التيار الكهربائي وما أكثرها كانوا يتحلقون حول مصباح زيت خاڤت. كانت ماريا تصلح ملابسهم القديمة للمرة المائة بينما يدرسان هما على ضوء اللهب الراقص.
في إحدى تلك الليالي رفع دانيال رأسه عن كتابه وسأل بجدية طفل اكتشف سرا عظيما يا معلمتي.. يا أمي.. لماذا تستطيع الطائرات المعدنية الثقيلة أن تطير ولا تسقط
تركت ماريا الإبرة من يدها ونظرت في عينيه العسليتين اللتين تعكسان ضوء المصباح وابتسمت تلك الابتسامة التي تذيب التعب الكتب تقول إنه بسبب دفع الهواء وأجنحة الطائرة يا دانيال. لكن الحقيقة هي أن الأحلام.. الأحلام الصادقة تمنح الأشياء خفة وقوة للارتفاع.
كبر الولدان وهما يتشربان هذه الكلمات. لم تشتر ماريا لنفسها فستانا جديدا طوال خمسة عشر عاما. كان حذاؤها مرقعا ويديها خشنتين من العمل لكن زي المدرسة لولديها كان دائما نظيفا ومكويا وكتبهما كاملة. كانت تستثمر كل بيزو في عقولهما موقنة أن هذا هو الميراث الوحيد الذي لا يمكن لأحد سرقته.
جاء اليوم الموعود كأنه عيد. قبل التوأمان في أكاديمية الطيران الوطنية بمنحة تفوق جزئية وتكفلت ماريا بالباقي من مدخرات سنوات اليانصيب. بكت في تلك الليلة طويلا دموعا غسلت تعب السنين.
مرت سنوات الدراسة في الأكاديمية صعبة وشاقة لكن ميغيل ودانيال كانا يحلقان بجناحي إصرار زرعتهما تلك المرأة الصابرة. تخرجا بتفوق وأصبحا طيارين تجاريين يرتديان تلك البدلات الأنيقة التي طالما حلما بها.
بعد خمسة عشر عاما من العمل والنجاح وفي مطار مانيلا الدولي المزدحم كان المشهد مهيبا. طياران شابان وسيمان ينتظران امرأة عجوزا انحنى ظهرها قليلا وابيض شعرها لكن عينيها كانتا تلمعان بالفخر. ركضت نحوهما وعانقتهما وكأنها تعانق العالم بأسره.
لكن اللحظة تعكرت بظهور ظل من الماضي. امرأة أنيقة المظهر تبدو عليها علامات الثراء الحديث تقدمت نحوهم. عرفت نفسها بصوت متهدج أنا والدتكما البيولوجية.
تجمد الزمن. تحدثت المرأة عن الفقر المدقع في الماضي وعن الندم الذي أكل قلبها وعن الظروف القهرية. ثم في محاولة يائسة للتكفير أو ربما للشراء وضعت على الطاولة
تم نسخ الرابط