طردتها ابنتها من البيت… وبعدها اكتشفت الحقيقة التي قلبت حياتها رأسًا على عقب
لم تكن السيدة أميليا يوما من أولئك الذين يعتقدون أن الصوت العالي هو وسيلة لإثبات الوجود بل كانت تؤمن بعمق أن الحياة شجرة جذورها الصبر وثمارها العمل الصامت الذي لا ينتظر تصفيقا من أحد.
نشأت في زمن كان فيه الصمت حكمة والتحمل فضيلة فتعلمت منذ نعومة أظفارها أن اليد التي تعمل هي اليد التي تبني وأن القلب الذي يحب بصدق لا يحتاج إلى صړاخ ليعلن عن نفسه.
كانت أرملة منذ سنوات طويلة حملت عبء الحياة وحدها بعد رحيل زوجها ولم تشتك يوما بل حولت حزنها إلى طاقة عمل لا تنضب تخيط ثياب الجيران حتى تتخشب أصابعها وتغسل الساحات وهي منحنية الظهر وتكوي قمصان الغرباء بينما يمتزج بخار المكواة بزفراتها الثقيلة المتعبة.
في كل مرة كان التعب ينهش عظامها كانت تبتسم ابتسامة خفيفة وتمسح العرق عن جبينها مرددة في سرها تلك العبارة التي صارت لها تعويذة ما دامت ابنتي بخير فكل شيء يستحق العناء.
كانت كارلا ابنتها الوحيدة هي الشمس التي تدور حولها حياة أميليا من أجلها حرمت الأم نفسها من كل متع الحياة البسيطة فلم تشتر لنفسها ثوبا جديدا لسنوات وكانت تكتفي بفتات الطعام لتوفر لابنتها أفضل المأكولات.
كبرت كارلا بين المقصات والخيوط وبين تضحيات أمها التي لم تكن تظهر في الصور الفوتوغرافية بل كانت محفورة في تجاعيد وجه أميليا وفي خشونة يديها.
أرادت أميليا أن تدرس كارلا في أفضل المدارس وأن تنتعل أحذية سليمة لا ثقوب فيها وأن تشعر دائما أنها مساوية لأقرانها بل وأفضل منهم ظنا منها أن هذا التدليل سيزرع في قلب الفتاة الامتنان والحب.
غير أن الحياة لا تعطينا دائما النتائج التي نتوقعها بناء على مقدماتنا المنطقية فالحب المفرط أحيانا يفسد الروح إذا لم يمتزج بالحزم وقد أصبحت كارلا مع مرور السنوات فتاة متعجلة قاسېة الطباع ترى في تضحيات أمها حقا مكتسبا لا فضلا يستوجب الشكر.
غلب الغرور على كارلا حين شبت عن الطوق وصارت من أولئك الذين يعتقدون أن العالم مدين لهم بكل شيء وأن عاطفة الآخرين تجاههم هي واجب مفروض وضريبة يجب أن تدفع لا هدية تمنح عن طيب خاطر.
تزوجت كارلا من ساندرو وهو رجل بارد المشاعر قليل الكلام كثير النظرات الحادة التي تشعرك بأنك مراقب ومحاسب على كل حركة وكان زواجهما تحالفا للمصالح أكثر منه مودة ورحمة.
رغم قسۏة الابنة وبرودة الزوج أرادت أميليا أن تبقى قريبة من ابنتها لا بدافع الحاجة المادية فقد كانت قادرة على تدبير شؤون نفسها بل بدافع ذلك النوع من الحب الغريزي الذي لا يعرف كيف ينسحب أو يتوقف عن العطاء.
عندما انتقلت أميليا للعيش معهما كان الاتفاق أن تكون فترة مؤقتة ريثما تترتب بعض الأمور لكن تلك المؤقتة تحولت بمرور الأيام إلى واقع دائم وثقيل فاستغلت كارلا وجود أمها أبشع استغلال.
تحولت الأم العجوز إلى مدبرة منزل مجانية تطبخ وتنظف وتطوي الملابس وتلمع الأرضيات وتعتني بكل شاردة وواردة في ذلك البيت الذي كان كل شيء فيه يبدو حاد الحواف خاليا من الدفء.
كان الشيء الوحيد الذي يمنح أميليا القوة للاستمرار هو حفيدها صامويل الطفل البالغ من العمر أحد عشر عاما والذي كان بمثابة زهرة نبتت في أرض مالحة أو شعاع شمس تسلل إلى غرفة مظلمة.
كان الأمر مختلفا تماما مع صامويل فقد كان الطفل يمتلك حسا مرهفا وفطرة سليمة لم تتلوث بعد بقسۏة والديه وكان يبحث عن جدته في صمت كأنه يعلم بغريزته أن في ذلك الوجه المتجعد ملجأ آمنا