بسبب ما داخل كيس المعكرونة، تغير كل شيء
كانت السماء ملبدة بغيوم رمادية ثقيلة تنذر بعاصفة وشيكة فوق أطراف مقاطعة كيزون الريفية. في ذلك الجو الكئيب كانت دولوريس تلك السيدة التي خط الزمن على وجهها خرائط السبعين عاما تسير بخطوات مثقلة تجر ساقيها اللتين نال منهما الوهن. كانت تستند على عصا خشبية قديمة بينما ظهرها الذي انحنى من ثقل السنوات وحمل المسؤوليات بدا وكأنه يحمل هموم العالم بأسره.
على كتفها تتدلى حقيبة قماشية باهتة اللون بداخلها كنز مؤلم تقارير طبية حكمت على قلبها بالمړض وبضعة بيزوهات معدنية لا تكفي حتى لشراء رغيف خبز يابس. كانت دولوريس قد خرجت من عيادة الطبيب وهي تحمل حكما قاسېا قلبها الذي نبض طويلا بالحب والټضحية يحتاج الآن إلى ترميم إلى جراحة عاجلة تتكلف عشرات الآلاف وهو مبلغ يبدو كحلم بعيد المنال لأرملة فقيرة تعيش على الكفاف.
لم يكن أمامها خيار سوى رامون. ابنها الوحيد ثمرة فؤادها الطفل الذي سهرت الليالي لتمسح دمعه والفتى الذي حرمت نفسها من الطعام ليشتد عوده. تذكرت كيف كانت تبيع الخضراوات في السوق تحت أشعة الشمس الحاړقة لتوفر له مصاريف الدراسة وكيف كانت تبتسم وهي جائعة ليأكل هو ويشبع. اليوم أصبح رامون رجل أعمال ناجحا يسكن في الجانب الآخر من المدينة حيث البيوت الفاخرة والشوارع النظيفة.
وصلت دولوريس أخيرا أمام بوابة القصر الحديدية العالية. وقفت لحظة تلتقط أنفاسها اللاهثة تتأمل البيت الفخم والسيارة الفارهة الرابضة أمامه. شعرت بغربة قاسېة هل يعقل أن هذا القصر يضم الطفل الذي كان ينام في حضنها في كوخهم الصغير ضغطت على الجرس وصوت رنينه تردد في الفراغ كأنه دقات قلبها المضطرب.
انفتحت البوابة ولم يظهر رامون بل ظهرت زوجته. امرأة شابة جميلة الملامح لكنها باردة النظرات وقفت تتفحص ثياب العجوز البالية بنظرة اشمئزاز لم تكلف نفسها عناء إخفائها. قالت بصوت جاف خال من أي مودة
ماذا تريدين يا ناناي
حاولت دولوريس أن ترسم ابتسامة باهتة تداري بها انكسارها وقالت بصوت مرتجف
جئت للزيارة يا ابنتي وأود التحدث إلى رامون لأمر هام.
دون كلمة دارت الزوجة واختفت داخل البيت. مرت دقائق بدت كأنها دهر قبل أن يخرج رامون. كان يرتدي ملابس أنيقة وفي يده هاتف حديث وبدا عليه التوتر وكأنه في عجلة من أمره. لم يعانق أمه بل وقف على مسافة منها وقال بنبرة عملية
أمي.. ما الذي جاء بك في هذا الوقت أنا مشغول جدا ولدي مواعيد عمل.
ارتجفت يدا دولوريس وهي تخرج التقرير الطبي المتهالك. نظرت في عيني ابنها وقالت بصوت کسير
يا بني الطبيب يقول إن قلبي متعب.. أحتاج لجراحة عاجلة. جئت أطلب منك العون سأقترض المال منك فقط وحين يبيع أخوك المحصول في القرية سأعيده إليك أعدك بذلك.
تجهم وجه رامون وجالت عيناه في المكان بتوتر رمق زوجته التي كانت تراقب المشهد