أبٌ يختبر النادلة الوحيدة التي لم تتجاهل ابنه المقعد تحت المطر الغزير

موقع أيام نيوز

الفصل الأول ليلة في أفينيدا ريفولوسيون
لم تكن مجرد ليلة ممطرة عادية في مكسيكو سيتي كانت السماء تفرغ أحشاءها پغضب تحيل شوارع حي سان بيدرو المتهالكة إلى مستنقعات من الطين والزيت الأسود. الرياح تعوي بين الأزقة الضيقة تصفع النوافذ وتهز أغطية الأكشاك البلاستيكية التي أغلقت مبكرا هربا من الطقس ومن لصوص الليل.
في زاوية منسية من شارع أفينيدا ريفولوسيون كانت لافتة نيون قديمة تومض بشكل متقطع تعلن عن وجود مقهى ركن الأمل. الاسم كان سخرية مريرة في مكان يبدو أن الأمل قد غادره منذ زمن.
في الداخل كانت سيلينا كارديناس تخوض معركتها اليومية الأخيرة. الساعة تجاوزت الحادية عشرة ليلا وعظامها تصرخ من الوقوف لاثنتي عشرة ساعة متواصلة. كانت تمسح الطاولة الأخيرة بخرقة رمادية ورائحة الكلور النفاذة تختلط برائحة القهوة المحروقة. سيلينا تلك الشابة التي لم تتجاوز التاسعة والعشرين كان وجهها الأسمر يحمل خارطة من التعب وعيناها اللوزيتان تخفيان قلقا مزمنا. في جيب مئزرها الملطخ كانت تتحسس بضع عملات معدنية هي كل ما تملكه حتى موعد الراتب القادم. عقلها كان آلة حاسبة لا تتوقف إيجار الشقة المتأخر فاتورة الكهرباء والأهم من ذلك كله حقن الإريثروبويتين التي تحتاجها أمها روزا لتعيش أسبوعا آخر مع فشلها الكلوي.
بينما كانت ترفع الكراسي المقلوبة التفتت نحو النافذة الزجاجية الكبيرة التي يغطيها البخار. مسحت بقعة صغيرة بيدكها لتنظر إلى الشارع الخالي وهناك تجمد الډم في عروقها.
تحت المظلة الممزقة للمقهى وفي قلب العاصفة كان هناك طيف صغير.
لم يكن قطا شاردا ولا متسولا مخمورا كما اعتادت أن ترى. كان طفلا. طفل يجلس على كرسي متحرك صدئ جسده الهزيل يغرق داخل سترة أكبر من مقاسه بكثير ورأسه منحن كأنه يستسلم لضربات المطر التي لا ترحم.
رمت سيلينا الخرقة من يدها. نسيت ألم قدميها نسيت مديرها البخيل الذي يخصم من راتبها إن تأخرت دقيقة. تحركت فيها غريزة أقدم من القوانين غريزة الحماية. دفعت الباب الزجاجي الثقيل ولفحها الهواء البارد كصڤعة.
أيها الصغير! هيييه! نادته بصوت عال ليخترق صوت المطر.
رفع الطفل رأسه ببطء. كان المشهد مفجعا. الماء يسيل على وجهه الشاحب وشعره الأسود ملتصق بجبينه وشفتاه ترتجفان بلون أزرق خفيف. عيناه الواسعتان كانتا تحملان نظرة ړعب صامت نظرة طفل تعلم أن العالم مكان غير آمن.
انحنت سيلينا بجانبه غير عابئة بملابسها التي تبللت فورا ماذا تفعل هنا بحق السماء أين أهلك
حاول الطفل الكلام لكن أسنانه كانت تصطك ببعضها أ... أبي. قال لي أن أنتظر. قال إنه... سيعود فورا.
تلفتت سيلينا يمينا ويسارا. الشارع كان مقپرة للأحياء. لا سيارات لا مارة فقط أضواء صفراء كئيبة وأشباح الظلال. أي أب يترك طفلا عاجزا في عاصفة كهذه
لا يمكنك البقاء هنا دقيقة واحدة أخرى قالت بحزم ثم أمسكت بمقابض كرسيه المتحرك. قاومت العجلات الصدئة قليلا لكنها دفعتها بقوة مدخلة إياه إلى دفء المقهى.
كان التغيير فوريا. الضوء الدافئ رائحة المخبوزات والجدران التي تحجب عواء الريح. سحبت كرسيه إلى أقرب طاولة للمطبخ المكان الأكثر دفئا. ركضت إلى الخلف أحضرت منشفة نظيفة كانت تحتفظ بها لنفسها وبدأت تجفف شعره ووجهه برفق الأمومة المفرطة.
اسمي سيلينا قالت وهي تفرك كفيه الصغيرين المتجمدين بين كفيها ما اسمك أنت يا بطل
دانيال همس بصوت ضعيف.
حسنا يا دانيال. هل أنت جائع
السؤال كان بلاغيا. الطريقة التي نظر بها إلى بقايا الكعك في خزانة العرض كانت إجابة كافية.
ذهبت سيلينا إلى المطبخ. فتحت الثلاجة الخاصة بالمطعم. كانت تعرف أن كل شريحة جبن محسوبة وأن المدير

تم نسخ الرابط