قصة حقيقية وقعت في اليمن

موقع أيام نيوز

للناس إنه مسافر لأن كلمة مېت كانت أقسى من أن تنطق.
كانت تقول دائما ولدي مسافر بيرجع يوما.
لكنها كانت تقولها لنفسها أكثر مما تقولها للناس.
الفتاة الصغيرة شدت طرف عباءتها
ماما ليش تبكي
الأم مسحت دموعها بسرعة لكن هذه المرة لم تكن دموع حزن فقط كانت دموع خوف وأمل وصدمة تجمعت كلها في لحظة واحدة.
همست
ولا شيء يا بنتي بنرجع البيت.
لكن قلبها كان يقول
إن كان هذا حقيقي فالدنيا ليست كما ظننت.
عادت إلى بيتها الصغير في طرف الحارة البيت الذي كانت تخاف أن يغلق بابه في وجهها بسبب الإيجار.
الأطفال جلسوا حولها ينتظرون الطعام لكنها كانت شاردة تنظر إلى الورقة مرة بعد مرة كأن الاسم قد يختفي إن رمشت.
قرأت السطر الثاني مرة أخرى
أنا راجع الليلة ومعي سر لو عرفته اليمن كلها هتتغير.
ارتجفت يداها.
ولدها حي
أين كان
ولماذا لم يعد
وما السر الذي قد يغير اليمن كلها
كانت آخر مرة رأت فيها ابنها قبل سبع سنوات يوم خرج ليعمل مع رجل في تجارة الغاز بعد ۏفاة أبيه.
ثم جاءها الخبر
انفجار أسطوانة
مۏت عاملين
چثث متفحمة
ولا أحد يعرف من ماټ ومن نجا.
قالوا لها
ابنك كان بينهم.
لكن الچثة
لم تعرف.
ومنذ ذلك اليوم
صارت أسطوانة الغاز بالنسبة لها شيئا يشبه القپر.
ومع ذلك كانت تحملها فوق رأسها لتعيش.
حل الليل ببطء ثقيل.
كل صوت في الحارة كان يجعل قلبها يقفز.
كل ظل على الباب كان يوهمها أنه هو.
الأطفال ناموا لكنها لم تنم.
جلست قرب الباب الورقة في يدها والمبلغ الذي أعطاها الرجل تحت وسادتها كأنها تخاف أن يكون حلما.
وقبيل منتصف الليل
سمعت طرقا خفيفا.
لم يكن طرقا قويا
بل طرقا يعرف البيت.
تجمدت.
عاد الطرق
نفس الإيقاع القديم الذي كان ابنها يطرقه حين يعود متأخرا حتى لا يوقظ الجيران.
وقفت ببطء قدماها لا تحملانها.
وضعت يدها على الباب
ترددت لحظة
ثم فتحته.
كان واقفا أمامها.
أكبر
أنحف
في وجهه تعب سنوات
لكن عينيه نفس عيني الطفل الذي كان يركض في الحارة.
لم تستطع أن تقول اسمه.
لم تستطع أن تتحرك.
هو قال أولا بصوت مكسور
أمي
اڼفجر الزمن كله في تلك الكلمة.
صړخت باسمه وسقطت في صدره تبكي بكاء سنوات دفعة واحدة كأن قلبها كان محبوسا وفتح بابه أخيرا.
كان يضمها بقوة يكرر
سامحيني سامحيني يا أمي أنا ما مت.
بعد أن هدأت قليلا أدخلته البيت ولم تصدق أنها تلمس وجهه بيديها.
قالت
أين كنت يا ولدي كيف عشت لماذا تركتني أظن أنك مت
جلس أمامها وعيناه
تمتلئان بثقل سر كبير.
قال
يا أمي أنا ما اختفيت بإرادتي.
الانفجار الذي قالوا لك عنه لم يكن حاډثا.
ارتجف قلبها.
قالت
كيف
قال ببطء
كان تهريب أسطوانات مغشوشة ومواد خطېرة داخلها.
الشركة كانت تبيعها للناس والناس ټموت وهم يقولون قضاء وقدر.
وأنا اكتشفت.
توسعت عيناها.
همس
يوم الانفجار أنا نجوت.
لكنهم ظنوني مت وأنا هربت لأنهم كانوا يريدون قتلي لأني شاهد.
سكت لحظة ثم قال
سبع سنوات وأنا أجمع الأدلة وأحاول أعيش باسم غير اسمي.
والرجل الذي أعطاك المال اليوم هو الوحيد الذي ساعدني وراقبك من
بعيد حتى يطمئن أنك بخير.
دموعها سقطت مجددا.
قالت
والسر
نظر إليها
مباشرة
يا أمي الأسطوانات التي ټقتل الناس في اليمن ليست عيوبا عادية.
شبكة كاملة أسماء كبيرة ومسؤولون.
وكل شيء موثق عندي.
سكت ثم قال الجملة التي جعلت الليل كله يرتجف
غدا الحقيقة ستخرج.
وغدا اليمن ستعرف لماذا ماټ كثيرون مثل أبي.
وضعت الأم يدها على رأسه وقالت
الحمد لله أنك حي والباقي على الله.
ثم نظرت إلى زاوية البيت حيث كانت أسطوانة الغاز التي حملتها صباحا.
اقترب ابنها منها وضع يده عليها وقال
هذه كانت بداية مۏتي.
وغدا ستكون بداية كشفهم.
وفي تلك الليلة
نامت الأم لأول مرة منذ سنوات بلا
خوف من الغد.
لأن ولدها الذي قالت إنه مسافر
عاد.
لكن هذه المرة
لم يعد ابنا فقط.
عاد شاهدا
وقد تغير قدره وقدر وطن.

تم نسخ الرابط