طُرد الفلّاح الذي كان يرتدي حذاءً مهترئًا من فندق خمس نجوم على يد موظفة الاستقبال
ضيف غير متوقع في قصر الأوهام
كانت الشمس تميل نحو الغروب تلقي بظلالها الذهبية الحزينة على شوارع المدينة الصاخبة حين توقفت حركة الزمن للحظات أمام البوابة الدوارة لأفخم فندق في العاصمة. إنه صرح معماري شاهق واجهاته الزجاجية تعكس أضواء المدينة وكأنها مرآة للثراء الفاحش وداخله عالم آخر مكيف الهواء معطر بأرقى العطور الفرنسية حيث الأرضيات الرخامية المستوردة من إيطاليا والثريات الكريستالية التي تتدلى من الأسقف كعناقيد من النور.
في هذا المشهد المخملي دخل رجل غريب عن هذا العالم. كان في الخمسينيات من عمره لكن تجاعيد وجهه كانت تحكي قصة ألف عام من الكفاح. بشرته داكنة لوحتها شمس الحقول الحاړقة ويداه خشنة كجذوع الشجر المعمر تشهدان على صراع طويل مع الأرض والمحراث. كان يرتدي معطفا بنيا باهت اللون أكل الدهر عليه وشرب تعلوه بقع من تراب الأرض الطيبة وفي قدميه صندلان بلاستيكيان قديمان من طراز خلية النحل بدت عليهما آثار التآكل من كثرة المشي في الطرقات الوعرة. لم يكن يحمل حقائب جلدية فاخرة بل حقيبة قماشية بسيطة ونظراته كانت هادئة متزنة لا يشوبها انبهار ولا انكسار.
سار الرجل بخطوات ثابتة غير عابئ بالنظرات التي بدأت تلاحقه كسهام طائشة. عبر البهو الفسيح حيث كان صوت حذائه يحدث إيقاعا غريبا يختلف عن وقع أحذية رجال الأعمال اللامعة وكعوب السيدات العالية. وصل إلى مكتب الاستقبال وهو قطعة فنية من الرخام الأبيض حيث كانت تقف موظفة شابة في مقتبل العشرينات. كانت آية في الأناقة الظاهرية زي رسمي مكوي بعناية شعر مصفف بدقة متناهية ومساحيق تجميل أخفت ملامحها الحقيقية تحت قناع من الجمال المصطنع. كانت منشغلة بترتيب بعض الأوراق وحين رفعت رأسها تلاشت ابتسامتها المهنية الباردة وحل محلها تعبير صريح من الاشمئزاز.
نظر الرجل إليها وفي عينيه صفاء السماء الصافية فوق قريته وقال بصوت عميق هادئ ومؤدب مساء الخير يا ابنتي.. أود استئجار غرفة لليلة واحدة.
تجمدت الموظفة للحظة غير مصدقة ما تسمع. مسحت الرجل بنظرة فاحصة من رأسه حتى قدميه توقفت طويلا عند صندله المهترئ ومعطفه المترب. في قاموسها وقاموس المكان الذي تعمل فيه لا مكان لأمثال هذا الرجل إلا في الأبواب الخلفية المخصصة للخدمات أو في الفنادق الرخيصة في أطراف المدينة. عقدت حاجبيها بضيق واضح وصفت حلقها بصوت مرتفع لتلفت انتباهه إلى خطئه الجسيم في دخول هذا المكان وقالت ببرود جليدي يا عم.. هل أنت متأكد أنك في المكان الصحيح هذا فندق خمس نجوم أسعاره باهظة جدا ولا أظنها تناسب إمكانياتك. من الأفضل لك أن توفر وقتك وتبحث عن نزل اقتصادي في الشوارع الخلفية هناك ستجد ما يناسبك.
لم يهتز الرجل ولم يظهر على وجهه أي أثر للإهانة. ابتسم ابتسامة خفيفة ابتسامة من يرى ما وراء القشور وقال بهدوء أعلم