طُرد الفلّاح الذي كان يرتدي حذاءً مهترئًا من فندق خمس نجوم على يد موظفة الاستقبال
أن يكون ما حدث اليوم درسا لنا جميعا لا تحكموا على الكتاب من غلافه ولا تقيسوا معادن البشر بمظهرهم.
كانت كلماته تنزل بردا وسلاما على القلوب وفي الوقت نفسه كانت سياطا تؤنب الضمائر. شعر الكثيرون بالخجل. رجال الأعمال الذين رمقوه بنظرات استعلاء نكسوا رؤوسهم. السيدات اللواتي تهامسن بالسخرية شعرن بصغر نفوسهن.
أكمل المدير حديثه وصوته يغلفه تأثر شديد موجها كلامه للموظفة وللحضور كاشفا سرا قديما حين اڼهارت تجارة والدي وكدنا نبيت في العراء طرقنا كل الأبواب فأوصدت في وجوهنا. الأصدقاء تفرقوا والأقارب اعتذروا. وحده هذا الرجل جارنا في القرية البعيدة جاء إلينا. باع جزءا من أرضه وأعطانا كل ما يملك من مدخرات وقال لوالدي ابدأ من جديد ولا تفكر في السداد إلا حين تستطيع. لم يطلب ورقة ولا ضمانا ولا فائدة. فعل ذلك بصمت وعاد ليزرع أرضه المتبقية. هذا الفندق وهذه الثريات وهذا الرخام.. جزء كبير منه بني بفضل عرق هذا الرجل وكرمه.
انخرطت الموظفة في بكاء صامت. لم تكن تبكي خوفا الآن بل كانت تبكي ندما. شعرت بضآلة عالمها المادي أمام عظمة روح هذا الرجل البسيط. لقد تلقت في دقائق معدودة درسا في الإنسانية لن تعلمها إياه أي جامعة ولن تمنحها إياه أي شهادة خبرة.
أشار المدير لأحد الموظفين ليحمل حقيبة الفلاح المتواضعة وأمر بتجهيز الجناح الملكي فورا. لكنه توقف فجأة وقال بحزم لا.. سأحمل حقيبته بنفسي وسأرافقه إلى غرفته.
حمل المدير الشاب الحقيبة القماشية القديمة وسار بجوار الفلاح لا كمدير يرافق ضيفا بل كابن بار يمشي في ظل أبيه. سارا معا نحو المصعد تاركين خلفهم قاعة تعج بالصمت والتفكير. كان المشهد مهيبا البدلة الفاخرة بجوار المعطف المترب وحذاء الجلد اللامع يخطو بجوار الصندل البلاستيكي في تناغم غريب أثبت للجميع أن المقامات لا تقاس بالمظاهر.
قبل أن يدخل المصعد الټفت الفلاح نظرة أخيرة ولوح بيده مودعا بابتسامة متسامحة وكأنه يقول لهم لقد سامحتكم فسامحوا أنفسكم وتغيروا.
في تلك الليلة لم ينم أحد في الفندق كما كان ينام كل ليلة. الموظفة الشابة عادت إلى منزلها وهي شخص آخر خلعت قناع الكبرياء ونظرت في المرآة لترتسم أمامها حقيقة جديدة عن قيمة الإنسان. الحارس المسن عاد لبيته وهو يشعر بفخر غريب وكأن الانتصار كان له. والضيوف تناقلوا القصة لا كنميمة بل كحكمة.
قضى الفلاح ليلته في الجناح الملكي. لم يبهره الحرير ولم تغره الفخامة. نام قرير العين مرتاح الضمير لأنه يعلم أن غناه الحقيقي يكمن في قلبه وفي حب الناس وفي الخير الذي زرعه دون انتظار حصاد.
وفي الصباح الباكر وقبل أن تستيقظ حركة الفندق الصاخبة غادر الفلاح بهدوء كما جاء. رفض العروض بالبقاء ورفض الهدايا. عاد إلى قريته وإلى أرضه وإلى صندله القديم ومعطفه المترب. غادر المكان بجسده لكن روحه
بقيت هناك تسكن في كل زاوية تذكر كل من يدخل من ذلك الباب الدوار أن التواضع هو تاج الأخلاق وأن العظمة الحقيقية هي أن تكون إنسانا قبل أي شيء آخر.
ظلت قصة الفلاح والمدير تروى في أروقة الفندق لسنوات طويلة. أصبحت جزءا من تدريب الموظفين الجدد وشعارا غير مكتوب في سياسة المكان هنا.. نحن نحترم الإنسان لا الملابس. وتغيرت موظفة الاستقبال لتصبح المديرة الأكثر إنسانية وتواضعا في تاريخ الفندق لا تنسى أبدا ذلك العجوز الذي علمها بابتسامته وصمته ما عجزت الحياة كلها عن تعليمها إياه.