لقيتُ لوحة منوعة” بقصر أغنى رجل… ولما كشفتها اتجمدت وجه أمي المټوفية!
الفصل الأول ظلال في قصر من زجاج
لم أكن يوما سوى طيف عابر.
مجرد خيال باهت يمر بجانب الجدران دون أن يترك أثرا.
اسمي إلينا فيغا. عمري ثمانية وعشرون عاما. وحتى تلك اللحظة الفاصلة كنت أعرف نفسي بما لا أملك لا بما أملك.
كنت الفتاة التي لا تملك مالا لا تملك عائلة ولا تملك مستقبلا واضحا.
في قصر فيراز الواقع في منطقة لاس لوماس الراقية حيث يبدو الهواء مشبعا برائحة الثراء والياسمين كنت مجرد رقم في طاقم الخدمة.
كان روتيني اليومي هو الثابت الوحيد في عالمي المتغير.
يبدأ يومي حين لا يزال الليل يغطي سماء مكسيكو سيتي.
عند الرابعة والنصف فجرا تفتح عيني على سقف شقتي المتهالك في أطراف المدينة المهمشة.
رحلة طويلة وشاقة عبر حافلتين مكدستين بالبشر ثم قطار أنفاق يضج بوجوه متعبة تشبه وجهي.
كل ذلك لأصل إلى بوابة العالم الآخر. عالم الأغنياء.
ما إن أدخل من بوابة الخدمة الخلفية وأرتدي الزي الرمادي المكوي بعناية حتى تختفي إلينا الحالمة.
تحل محلها الخادمة الصامتة.
تلك اليدان اللتان حلمتا يوما بتقليب صفحات كتب تاريخ الفن في قاعات الجامعة الوطنية أصبحتا الان متشققتين.
خشنة الملمس بفعل مواد التبييض ومساحيق التنظيف ومحاولات تلميع حياة لا تخصني ولن تخصني أبدا.
كان قصر دون أوغستو فيراز مهيبا بشكل مخيف.
كل زاوية فيه تصرخ بالقوة والنفوذ. الرخام البارد الثريات الكريستالية السقوف الشاهقة.
لكنه ورغم فخامته كان ېصرخ بالوحدة أيضا.
كان الصمت في هذا القصر ثقيلا وكأنه كائن حي يتنفس في الزوايا.
بالنسبة لنا نحن الخدم كان دون أوغستو أسطورة حية.
رجل من فولاذ كما تصفه الصحف الاقتصادية.
امبراطور العقارات الذي لا يبتسم.
لم أره طوال عملي هنا إلا لمحات خاطفة.
طيف طويل القامة يعبر الردهة بسرعة البرق الهاتف ملتصق بأذنه دائما.
ملامحه كانت دائما مشدودة قاسېة تحمل ثقل امبراطورية مالية وشيئا آخر لم أكن أفهمه حينها.
ثقل حزن قديم وعميق حزن لا يمحوه المال.
الفصل الثاني المكتبة المحرمة
في ذلك الثلاثاء من شهر أكتوبر كانت الحرارة في الخارج لا تطاق.
حتى داخل القصر ومع عمل المكيفات بصمت كان الجو خانقا بشكل غريب.
جاءت الأوامر من دونيا كارميلا رئيسة العاملات.
امرأة تشبه النشا في قسۏتها وصوتها يشبه صوت احتكاك الورق الجاف.
إلينا عليك تنظيف المكتبة اليوم. وتذكري...
توقفت لحظة لتعطيني تلك النظرة التحذيرية التي حفظتها عن ظهر قلب.
الجدار الشمالي. إياك أن تلمسي اللوحة المغطاة هناك. السيد فيراز يفقد صوابه إذا اقترب منها أحد.
أومأت برأسي طاعة لكن الفضول كان يشتعل في داخلي كجمرة صغيرة.
المكتبة كانت أكثر الغرف رهبة في القصر لكنها كانت الأقرب لقلبي.
طابقان من الرفوف الخشبية الداكنة تزدحم بكتب لا يقرأها أحد.
سلالم متحركة نحاسية تنزلق بنعومة.
ورائحة... رائحة الورق القديم والخشب والجلود.
كانت تلك الرائحة تلتصق بصدري تعيدني فورا إلى حضڼ أمي كارولينا.
كانت أمي أستاذة عاشقة للكتب قبل أن ينهش المړض جسدها وتغادرنا منذ خمس سنوات.
بدأت التنظيف بحذر.
مسحت الغبار عن المكتب المصنوع من خشب الماهوجني الثقيل.
لمست أصابعي بعض الأوراق المبعثرة. توقيع أنيق وحاد فيراز.
فجأة ضړبتني ذكرى ضبابية.
أمي في أيامها الأخيرة وهي تهذي تحت وطأة الحمى والألم.
كانت تهمس باسم لم أفهمه حينها.
أوغستو...
ظننت وقتها أنها تقصد شهر أغسطس أو ربما أحد الأباطرة الرومان الذين كانت تقرأ لي عنهم في صغري.
هززت رأسي بقوة لطرد الأشباح.
ركزي يا إلينا همست لنفسي. إن طردوك اليوم لن تجدي ثمن العشاء غدا.
دفعت السلم الطويل نحو الجدار الشمالي.
كانت اللوحة هناك.
معلقة في مكان مميز لكنها مخفية تحت ملاءة كتانية بيضاء تتدلى ككفن.
أحيانا وأنا أمسح الغبار كنت أشعر بجذب خفي.
كأن شيئا خلف ذلك القماش ينبض. يناديني.
ما الذي يمكن أن يكون فظيعا